ابن أبي الحديد
49
شرح نهج البلاغة
والكتاب ، لما يحكمون من المعاقد ، ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ، ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات ، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ، مما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة ، الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة ، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه . وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله تعالى من ذلك ، إلا بالاهتمام والاستعانة بالله ، وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل . * * * الشرح : قالت الحكماء الانسان مدني بالطبع ، ومعناه أنه خلق خلقة لا بد معها من أن يكون منضما إلى اشخاص من بنى جنسه ، ومتمدنا في مكان بعينه ، وليس المراد بالمتمدن ساكن المدينة ذات السور والسوق ، بل لابد أن يقيم في موضع ما مع قوم من البشر ، وذلك لان الانسان مضطر إلى ما يأكله ويشربه ليقيم صورته ، ومضطر إلى ما يلبسه ، ليدفع عنه أذى الحر والبرد ، وإلى مسكن يسكنه ليرد عنه عادية غيره من الحيوانات ، وليكون منزلا له ليتمكن من التصرف والحركة عليه ، ومعلوم أن الانسان وحده لا يستقل بالأمور التي عددناها ، بل لابد من جماعة يحرث بعضهم لغيره الحرث ، وذلك الغير يحوك للحراث الثوب ، وذلك الحائك يبنى له غيره المسكن ، وذلك البناء يحمل له